ابن عطية الأندلسي

439

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

بذلك قوله بِإِذْنِ اللَّهِ وحقيقة الخلق في الأجرام ، ويستعمل في المعاني ، ومنه قوله تعالى : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [ العنكبوت : 17 ] ومنه قول الشاعر : [ مجزوء الكامل مرفّل ] من كان يخلق ما يقو * ل فحيلتي فيه قليله وجمهور الناس قرأ « كهيئة » على وزن فعلة بفتح الفاء وهو مصدر من قولك ، هاء الشيء يهاء هيئا وهيئة ، إذا ترتب واستقر على حال ما ، وهو الذي تعديه فتقول : هيأت ، وقرأ الزهري « كهيّئة الطير » ، بكسر الهاء وياء مفتوحة مشددة ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ، « كهيئة الطائر فأنفخ فيه فيكون طائرا » على الإفراد في الموضعين ، فالأول اسم الجنس والثاني مفرد ، أي يكون طائرا من الطيور ، وقرأ نافع وحده ، « كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائرا » بالإفراد في الأخير ، وهكذا قرأ في المائدة الباقون « كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا » بالجمع فيهما ، وكذلك في سورة المائدة ، ومعاني هذه القراءات بينة ، و الطَّيْرِ اسم جمع وليس من أبنية الجموع ، وإنما البناء في جمع طائر أطيار ، وجمع الجمع طيور ، وحكاه أبو علي عن أبي الحسن ، وقوله فَأَنْفُخُ فِيهِ ذكر الضمير هنا لأنه يحتمل أن يعود على الطين المهيأ ، ويحتمل أن يريد فانفخ في المذكور ، وأنث الضمير في سورة المائدة في قوله ، فَتَنْفُخُ فِيها [ المائدة : 110 ] لأنه يحتمل أن يعود على الهيئة أو على تأنيث لفظ الجماعة في قوله الطَّيْرِ وكون عيسى عليه السلام خالقا بيده ونافخا بفيه إنما هو ليبين تلبسه بالمعجزة ، وأنها جاءت من قبله ، وأما الإيجاد من العدم وخلق الحياة في ذلك الطين فمن اللّه تعالى وحده لا شريك له . وقوله بِإِذْنِ اللَّهِ ، معناه بعلم منه تعالى أني أفعل ذلك وتمكين منه لي ، وحقيقة الإذن في الشيء هي العلم بأنه يفعل والتمكين من ذلك ، فإن اقترن بذلك قول فذلك أمكن في الإذن وأبلغ ، ويخرج من حد الإذن إلى حد الأمر ولكن تجده أبدا في قسم الإباحة ، وتأمل قوله تعالى : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 251 ] ، وقول النبي عليه السلام ، وإذنها صماتها ، وروي في قصص هذه الآية ، أن عيسى عليه السلام كان يقول لبني إسرائيل : أي الطير أشد خلقة وأصعب أن يحكى ؟ فيقولون : الخفاش ، لأنه طائر لا ريش له ، فكان يصنع من الطين خفافيش ثم ينفخ فيها فتطير ، وكل ذلك بحضرة الناس ومعاينتهم ، فكانوا يقولون : هذا ساحر . قوله تعالى : أُبْرِئُ ، معناه أزيل المرض يقال برأ المريض وأبرأه غيره ، ويقال : برئ المريض أيضا كما يقال في الذنب والدين ، واختلف المفسرون في الْأَكْمَهَ فقال مجاهد : الْأَكْمَهَ هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل ، وقال ابن عباس والحسن والسدي : الْأَكْمَهَ الأعمى على الإطلاق ، وقال عكرمة : الْأَكْمَهَ الأعمش ، وحكى النقاش قولا : أن الْأَكْمَهَ هو الأبكم الذي لا يفهم ولا يفهم ، الميت الفؤاد ، وقال ابن